قراءة بقلم الناقد الأدبي / محمد هشام الشماط

 محمد هشام الشماط – لبنان اليوم 

 

تعيش الشاعرة حالة قلق ووجد وحيرة ؛ بسبب الحرب الدائرة ، فقد تشابكت الخيوط وتعقدت ، ولم يعد الإنسان العربي قادرا على فهم ما يجري حوله ، ولا يرى إلا جثث وأشلاء إخوته وأقاربه وبني وطنه .. بعضها مبعثر على الأرض ، وآخر في النعوش ، ولا يشاهد أو يسمع إلا صور الأبنية والدور المهدمة ، والجنات التي تحولت إلى مقابر ..
وهو في وسط هذه الدوامة محبط ، تائه ، مثخن بجراح الأسى والانكسار ، محطم ، عاجز ، لا يستطيع فعل شيء ، وهو الذي بحاجة إلى الحب والكلمة المواسية ..
فكيف عبرت عن حالتها المأزومة في مقطوعتها ؟
لا بد للقارئ أن يقسم المقطوعة إلى عدة مقاطع ليتسنى له فهم أفكارها ، وبالتالي استيعابها ، ولذلك فقد تم تقسيمها إلى تلك المقاطع :
باحت لنا بوحا مكثفا مختزلا حالات كثيرة من الأحداث والمواقف والعواطف بجمل قصيرة ذات دلالات متعددة ، وبصور فنية بلاغية عند مقتضى الحال ..
بينت لنا حاجة الإنسان العربي دائما ، وخاصة في هذه المرحلة التي فقد فيها كل حب ، حاجته الإنسانية ، واصراره في البحث عنها بين جوانب نفسه ومع أحبابه ، أو في الهجرة من هذا الوطن ربما يجده في ديار الغربة بلغة أدبية بسيطة في المقطع الأول والرابع .
وتُشَبّه هذه الحرب التي امتدت بليلة ظلماء ، ترفض فيها أن تكون شهيدا لا يستحق وصفه بهذه الصفة ، لأنه لم يمت في سبيل قضية عادلة كحربه ضد الاستعمار ، وترفض أيضا لأن جوارحها تنبض بدفء الحياة التي من حقها أن تصر على التمتع بها ، وتأبى الموت لأنها تأمل بليل جديد يشع فيه القمر .
أي روعة جاءت في وصف الحرب القذرة ونتائجها : طنين ذباب أزرق ، هذا الذباب يتجمع على قبور الموتى ، أو على روث البهائم ، وطنينه دائم كهدير الصواريخ والقنابل والانفجارات الذي لا ينقطع ليل نها ر .
وروعة أخرى تحتمل صورتها الفنية احتمالات عدة ، منها أن من مجريات الحرب إقامة السواتر لحماية المقاتلين ، ولكنها هنا لها جدران من زجاج يتحطم فيؤذيهم أكثر مما يحميهم ، ومتاهات يضيع فيها المقاتلون بين ثناياها ، وقد يكون ضياعهم فيها نهائيا بموتهم ، أو أن البيوت والأبنية المتهدمة قد آلت إلى سواتر زجاجية متحطمة ، وأصبحت الحارات والأزقة فيها متاهات يضيع فيها أبناؤها .
وتقرر معرفة حقيقة هذه الحرب بأخطاء المحللين الذين ينظرون إليها كل من منظاره الخاص الذي يؤجج العداوة ، ويضرم نارها ، لتنهي معرفة
حقيقتها بتساؤلات عن وقت انتهائها ، وزوال أسبابها .
وتختتم مقطوعتها برفضها أن تكون راية من رايات هذه الحرب ، ترفع عند انتهائها ؛ تحبس في صدرها الحزن والأسى ، وبأن تظهر غير ما في نفسها من خلال رفرفتها .
على قارئ هذه المقطوعة أن يتأملها بتمعن وتبصر كي يستشف ما بين سطورها من معان وأفكار . فالقارئ العادي صَعْب عليه استخلاص ما فيها لِما فيها من اختزال شديد ، وتركيز دقيق كما في المقاطع : الأول والثالث والخامس .. يضاف إلى ذلك ، ذلك البيان الموغل في الصور الفنية أحيانا : في المقطع الثاني بكثرة :
الليلةِ الظلماءِ : كناية عن الحرب .
نصبًا لِشهيدٍ : استخدام المفهوم العكسي للفظة شهيد : بأنه غير شهيد لأنه مات في قضية أرادها المنتفعون ، وأطلقوا عليه كذبا صفة الشهيد .
دفءٌ كثيرٌ في قلبي : كناية عن حب الحياة والرغبة بها .
لِيَكنْ غدًا قمرٌ ساطعٌ : كناية عن الأمان والجمال : ليل هادئ وممتع .
* * *
في المقطع الثالث :
طنينُ ذبابٍ أزرق : التشبيه هنا لصوت الانفجارات المتواصلة بطنين الذباب . والأزرق للدلالة على بشاعة صورة القتلى الذين يحوم حول قبورهم ذلك الذباب الذي يقف كما ذكرناه قبلا .
متاهةُ سواترَ ، جدرانُها مرايا : تشبيه مكثف جدا يحتمل وجهي ما ذكرناه قبلا .
في المقطع الخامس الأخير :
مجرَّدَ رايةٍ : دلالة على جثث القتلى الذين لم يكونوا يعنون شيئا ، وإنما مجرد محققي رغبات لموقدي تلك الحرب .
تكظمُ الغيظَ : تضمين اللفظ القرآني ، وإعطائه الحالة الشعورية للراية .
وترفرفُ على سطحِ بناءٍ . أو : وترفرفُ فوقَ بناءٍ : ( تبقى العبارة المختارة ، وتحذف الأخرى ) : دلالة على تلاعب الهواء بها ما تلاعب بها المنتفعون من تلك الحرب .
وَظَّفَت الاستفهام الذي يجذب انتباه القارئ ، وفي نفس الوقت يعرف جوابه كل مواطن في المقطع الرابع بالفن البلاغي : تجاهل العارف ، حيث تساءلت عن كيفية انتهاء الحرب ، وأجابت بسؤالين .
ابدعت الشاعرة منى في مقطوعتها هنا ، والتي جاءت صرخة كقنبلة أشبه بالطائرة الحربية التي تسبق سرعة الصوت باختزالها ، ومضة أرادت أن تخطف أبصار القادة العسكريين الذين يزجون بأبناء الوطن ليحققوا أهداف المخططات الغربية دون علم .

أحلأم .. بين السواتر

الحبُّ هو كلُّ ما أحتاجُه ،
سأجوبُ الأفاق بحثاً عنه ؛
أريدُ العيشَ بما يكفي ..
في هذهِ الليلةِ الظلماءِ ..
لنْ أكونَ نصباً لِشهيدٍ .
دفءٌ كثيرٌ في قلبي .
أأموتُ اليومَ ؟ لا ،
ليكنْ غداً قمرٌساطعٌ
طنينُ ذبابٍ أزرق ،
متاهة سواتر جدرانها مرايا.
للسعي وراء الحقيقة ؛
علينا أن نقترفَ الأخطاءَ !
الحربُ ستضع أوزارها ،
ويحلُّ .. كلُّ .. شيء
لمْ .. ولنْ نكون مجرد راية ،
تكظمُ الغيظَ …
ترفرفُ ..
فوق
بناية

15666050_615424908661623_211959919_n

Libanaujourdui

مجانى
عرض