هكذا ستصبح الروبوتات خطراً على الإنسان رغم فوائدها الكثيرة

 

 

قد يبدو الأمر غريباً، لكن عدداً من الشخصيات البارزة بدأت طرح هذا السؤال مؤخراً. وبدأت الدعوات لفرض “ضريبة الروبوتات” تنتشر مع تزايد المخاوف من تأثير التشغيل الآلي. وفي وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، ناقش البرلمان الأوروبي فرض ضريبةٍ مُشابهة داخل دول الاتحاد الأوروبي. وقام بونوا آمون، المرشح الرئاسي للحزب الاشتراكي الفرنسي (الذي يصفه البعض بأنَّه النسخة الفرنسية من الأميركي بيرني ساندرز)، بإضافة ضريبة الروبوتات إلى برنامجه الانتخابي. وقام بيل غيتس نفسه بدعم الفكرة.

 

تختلف المقترحات المقدَّمة، لكنَّها تتفق على المبدأ نفسه. فبينما تصبح الآلات والخوارزميات أكثر ذكاءً، ستستبدل عما قريب جزءاً كبيراً من القوى العاملة. ومن المتوقع أن تُوفِّر ضريبة الروبوتات الأرباح لإعادة تدريب العمالة البشرية المُستَبدلة، أو تُزويدها بدخلٍ أساسي.

 

ولكن الخبر السار هو أنَّ عصر الروبوتات لم يبدأ بعد. ورغم الظهور المستمر لعناوين الصُحف المفزعة عن الحواسب الآلية الذكية التي تلتهم وظائفنا، تُظهِر المؤشرات الاقتصادية أنَّ التشغيل الآلي لم يبدأ العمل به على نطاقٍ واسع بعد. أما الخبر السيئ، فهو أنَّ بداية ذلك العصر ستُنتج مستوى من اللامساواة يجعل من أميركا المُعاصرة تبدو مدينةً فاضلة قائمة على المساواة مقارنةً به.

 

الخطر الحقيقي للروبوتات

 

الخطر الحقيقي للروبوتات لا يتمثل في كونها ستُصبح شريرةً وتقتلنا جميعاً، وهو الأمر الذي يُبقي رجل الأعمال والمخترع إيلون ماسك ساهراً في أثناء الليل، ولكن في قيام الروبوتات بتضخيم الفوارق الاقتصادية إلى حدٍ سيجعل الحياة غير صالحةٍ للعيش بالنسبة للغالبية العظمى. وقد تنجح سياسة ضريبة الروبوتات أو تفشل كأداةٍ لتَجَنُّبِ هذا السيناريو. لكنها بدايةٌ جيدة لفتح آفاق الحوار حول هذه القضية المحورية. فالتشغيل الآلي الشامل يُشَكِّلُ أزمةً سياسةً خطيرة تستدعي حلاً سياسياً جاداً.

 

التشغيل الآلي ليس فكرةً جديدة. ففي أواخر القرن الـ16، قام مُخترعٌ إنكليزي بتطوير ماكينةٍ للحياكة. وقتها، كان العاملون يُنتجون ما يعادل 100 غُرزةٍ في الدقيقة، وباستعمال الماكينة أصبح بإمكانهم إنتاج ما يعادل 1000 غُرزة. وهذا هو النمط الأساسي الذي يتكرر على مر القرون: فمع تَطَوُّر التكنولوجيا، يَقِل عدد الأيدي العاملة المطلوبة لإنتاج كميةٍ مُعيَّنةٍ من السلع.

 

حتى الآن، لم تتسبب هذه الظاهرة في خلق أزمة بطالة كُبرى. ويرجع هذا إلى أن التشغيل الآلي يخلق فرص عمل ويقتل أخرى في الوقت نفسه. ومثالٌ حي على ذلك هو صَرَّافو البنوك: بدأت ماكينات الصرف الآلي تظهر في السبعينات، لكن أعداد الصَرَّافين الكلية زادت منذ ذلك الوقت. فبعد أن خَفَّضت ماكينات الصرف الآلي من تكاليف تشغيل الفروع، فتحت البنوك فروعاً أكثر، وهو ما أدى إلى زيادة أعداد الصَرَّافين ككل. وتغيرت المهام الوظيفية للصَرَّافين، فأغلب مهامهم اليوم تعتمد على إقناع العملاء بالخدمات المالية الجديدة بدلاً من توزيع النقود، لكن الوظيفة ما زالت موجودة.

 

المُختلف هذه المرة، هو احتمال أن تُصبح التكنولوجيا متطورةً لدرجة أن البشر لن يجدوا أي دورٍ يُمكنهم القيام به. ماذا لو أصبحت ماكينة الصرف الآلي قادرة على منحك رهناً عقارياً بنسبةٍ قابلةٍ للتعديل، علاوةً على صرف 100 دولار من حسابك؟ قد يكون الحديث الدائر عن الذكاء الاصطناعي مُبالغاً فيه بعض الشيء، لكن هناك العديد من التطورات الهادفة التي حدثت على مدار السنوات الماضية. ولا يسعنا سوى أن نتوقع حدوث اكتشافاتٍ أكبر في السنوات المقبلة. وبدلاً من تعديل المهام الوظيفية، قد تبدأ التكنولوجيا في القضاء على الوظائف من الأساس. وبدلاً من قيام التكنولوجيا بخلق المزيد من الثروات بأيدٍ عاملةٍ أقل، قد ينجح التشغيل الآلي في خلق ثرواتٍ أكبر من دون أيدٍ عاملةٍ على الإطلاق.

 

ما المشكلة في تكوين ثروةٍ من دون أيدٍ عاملة؟

 

ما المشكلة إذاً في تكوين ثروةٍ من دون أيدٍ عاملة؟ الأمر يعتمد على من يمتلك هذه الثروة. في ظل الرأسمالية، يحصل العاملون على أجورهم كحِصةٍ من قيمة ما يُنتِجونه. وهذه الحصة كانت صغيرةً على الدوام مُقارنةً بالعوائد التي تتدفق على أصحاب رؤوس الأموال. وعلى مدار العقود الماضية، بدأت هذه الحصة تزداد صِغَراً: فانكمشت حصة الدخل القومي التي تذهب إلى الأجور بشكلٍ متزايد، بينما ازدادت حصة رؤوس الأموال بشكلٍ مُطرد. وبينما نجحت التكنولوجيا في جعل العمال أكثر إنتاجية، ذهبت الأرباح إلى المالكين وليس العاملين. وازدادت الإنتاجية بنسبة 80.4% بين عامي 1973 و2011، لكنَّ متوسط العائد الحقيقي الذي يحصل عليه العامل في الساعة ازداد بنسبة 10.7% فقط.

 

ورغم سوء الأوضاع، يُهدِّدِ التشغيل الآلي الشامل بجعل الأوضاع أسوأ. وإذا كنت ترى أنَّ اللامساواة هي مُشكلة مُعاصرةٌ الآن، تَخيَّل عالماً يُصبح فيه الأغنياء أكثر ثراءً دون الاعتماد على بشر. تحرُّر رؤوس الأموال من الأيدي العاملة لن يعني فقط نهاية العمل؛ بل نهاية الأجور أيضاً. ومن دون الأجور، سيفقد العاملون وسيلتهم الوحيدة للحصول على الثروة، فضلاً عن ذكر وسيلتهم الوحيدة للبقاء. كما سيفقدون أيضاً مصدرهم الأساسي للسُلطة الاجتماعية. فطالما كان العمال يتحكمون في مرحلة الإنتاج، كان بإمكانهم إيقافها في أي وقت. ودائماً كانت الإضرابات أقوى سلاحٍ يمتلكه العمال، حتى لو كان استخدامهم له نادراً. واقتصادٌ يعتمد بالكامل على التشغيل الآلي لن يجعل العمال فقط زائدين على الحاجة؛ بل سيحرمهم من قوتهم أيضاً.

 

النُخبة فئة مُنفصلة بالكامل عن المجتمع

 

وفي الوقت نفسه، ستجعل رؤوس الأموال المعتمدة على الروبوتات من النُخبة فئةً مُنفصلةً بالكامل عن المجتمع. ويسعى الأغنياء طوال الوقت حالياً إلى الانفصال عن العامة، من الطائرات الخاصة إلى الجُزر الخاصة. لكن حتى أفضل الملاجئ الفاخرة المُحصنة ليست بمنأى عن العالم الخارجي، فالنخبة متصلة بالطبقات الأخرى طالما يحتاج رأس المال إلى الأيدي العاملة لإعادة إنتاج نفسه. ولكنَّ التشغيل الآلي الشامل سينجح في قطع هذا الاتصال. وهو الأمر الذي سيسمح للنُخبة بالانغلاق على أنفسها داخل جنةٍ ذات أسوارٍ عالية، مُحصَّنةً بدعمٍ لا محدود من الثروة التي لا تعتمد على العمال، تاركةً الجموع العاطلة عن العمل تتعفن.

 

وإذا لم يكُن هذا السيناريو قاتماً بما فيه الكفاية، فتخيَّل احتمال ألا يقود التشغيل الآلي الشامل فقط إلى إفقار الطبقة العاملة، ولكن إلى إبادتها. ففي كتابه “Four Futures: Life After Capitalism”، توقَّع بيتر فرايز أنَّ الجحافل التي ليس لها أهمية اقتصادية خارج أسوار وأبواب منتجعات النخبة لن يتم التساهل معها فترة طويلة. فهذه الجحافل ستفقد صبرها مع الوقت، وهو ما سيجعلها تثور. وكتب فرايز: “ماذا سيحدث عندما تُشَكِّلُ هذه الجُموع خُطورةً على النخبة دون أن تكون طبقةً عاملةً ذات أهميةٍ للحاكمين؟ سيتوصل أحدٌ في نهاية المطاف إلى فكرة أنَّه من الأفضل التخلُّص منهم”. ومنح فرايز هذا المستقبل اسماً مُخيفاً ملائماً: “الإبادة الجماعية”، عالمٌ به “حرب إبادة جماعية يمارسها الأغنياء بحق الفقراء”.

 

قد يبدو هذا المستقبل المرير كخيالٍ علمي، لكنه مُستقبلٌ معقول بالنظر إلى المسار الحالي للعالم. ستستمر التكنولوجيا المتعلقة بالروبوتات والذكاء الاصطناعي في التحسُّن، لكن دون تغييرٍ سياسيٍ جوهري ستتراوح النتائج بين السيئ والمأساوي بالنسبة للغالبية العظمى. لذلك علينا أن نأخذ المُطالبات الأخيرة بفرض ضريبة الروبوتات على محمل الجد. فهي تُوفِّر فرصة لتكوين رد فعلٍ سياسي على قضية التشغيل الآلي الشامل الآن، قبل فوات الأوان.

 

عندما سألت المُفكِّر اليساري البارز مات بروينغ عن رأيه، شرح لي أنَّه مهما حاولنا أن نفعل، علينا ألا نُحاول إيقاف التشغيل الآلي. وأضاف: “مُشكلة الروبوتات لا تكمُن في تصنيعها وتشغيلها، فهذا أمرٌ جيد بالنسبة للإنتاج. المُشكلة هي أن هذه الروبوتات مملوكةٌ للأغنياء، وهو ما يعني أن الدخل الذي سيعود على الروبوتات سيذهب بالكامل إلى شريحةٍ ضئيلةٍ من الأغنياء”.

 

بعبارةٍ أخرى، هذه الروبوتات التي ستحل محل البشر في وظائفهم هي شيءٌ جيد طالما تم توزيع عوائد تلك الوظائف على عموم الناس. وأظهر تقريرٌ أصدرته مؤسسة الإغاثة العالمية (أوكسفام)، في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، أن أغنى 8 رجالٍ في العالم يمتلكون ثروةً تعادل ما يُملكه نصف الجنس البشري. لك أن تتخيَّل شكل هذه الأرقام بعد أن يتطوَّر التشغيل الآلي.

 

وفي وقتٍ من الأوقات، سيُصبح بإمكان عددٍ قليلٍ من المليارديرات التحكُّم في نسبة 100% من ثروات المجتمع. لذلك، فإنَّ فكرة توزيع الثروة بين الجموع بدلاً من احتكارها بواسطة عددٍ قليل لا تبدو فكرةً متطرفة، وما زال بإمكاننا إعادة توزيع الثروات ونحن في حاجةٍ ماسةٍ إلى ذلك، قبل أن تقتلنا جميعاً رأسمالية الروبوتات.

Libanaujourdui

مجانى
عرض