“رايونو سيتي” من راهن اللحظة إلى مشاعية الوجع

حامد محضاوي
كان لجمهور المهرجان الوطني لمسرح التجريب بمدنين من الجمهورية التونسية موعد في العرض الإفتتاحي مع مسرحية “رايونو سيتي” نص و إخراج علي اليحياوي و إنتاج مركز الفنون الدرامية و الركحية بمدنين. “رايونو سيتي” إسم حي شعبي في مدينة مدنين جنوب الجمهورية التونسية، ما يمكن أن يشير إليه العنوان كون المسرحية ستكون في إلتصاق بخصوصيات هذا الحي سرعان ما يتلاشى عبر متابعة العرض. نكتشف أن الإسم أستعمل لدلالته السحرية و لما يحمله في أتونه من علامات إنفتاح و تماهي مع عالم متعدد الحدود و الطبقات، و لكن سمته الإنسان الأساس و الرمز. المسرحية تأتي في إطار وطني متقلب و مربك، تمشي عبره كل الرؤى و النظريات فوق رمال متحركة بلا بوصلة حقيقية للخلاص. واقع لا يختلف على ما تعيشه معظم دول العالم الثالث من تشظي و إنعدام لقيمة الإنسان و إنتشار الأمراض الجسدية و الآفات الفكرية و التشوه الإجتماعي. هذا التوصيف البسيط للوضع العام محليا و عالميا يجعلنا نفهم بعض ما سعى إليه المخرج من منطلق الإنسان المحور في إرتباط بوضعه المحلي إلى الصورة العالمية للإنسان و ما يحمله ذلك من إحراجات و أسئلة حارقة. إنفتحت المسرحية على جانب سينوغرافي لمكان ثابث حي شعبي تشقه قنطرة و تحتها مصب فضلات في صورة واقعية لطبيعة هذه الأحياء و فيها إحالة إلى وضعية الإنسان فيها، من ناحية ثانية فتح الجانب السينوغرافي المجال لتوليد الحركة و اللعب عبر مجال فوقي و مجال أرضي تتسابق عبره الحبكة الدرامية و طاقة الشخصيات إلى محاولة الخلاص و تكريس فعل البحث و الحيرة و التلظي على جنبات المكان و الزمان. إذ أن الشخصيات و إن توحدت في واقع الحيف الإجتماعي و القهر الإقتصادي فإنها بقيت رهينة خلاصات أفيونية و ضمادات لا تفي بالعلاج. و من هناك كان للصبغة الدائرية للعمل دور في إثبات هذا الإرتداد و العود على بدء و تكريس حالة الفعل العدمي، و برزت في آتون ذلك النتائج المباشرة لذلك و إحتلت مساحة العنف و عدم قبول الآخر مجمل المشاهد و نجح الممثلون في إيصال هذا العمق الخاوي للتغيير. إن تعددت ملامح الشخصيات و متطلباتها فإنها إشتركت في أداء معنى التشظي العام و الإحتواء العدمي و تأبيد واقع العجز و الإرتهان، يصرخ الصوت مناشدا بما يريد مقابل عجز الجسد عن التجاوز و إيجاد المخرج. صورة متناقضة أحكم النص الدرامي إبرازها و قام الممثلون بإتقان تجسيدها، و نلاحظ نتيجة هذا التناحر ما بين الإقدام و غياب البديل عبر إنتهاء حياة باولو ميتا في مصب النفايات و في صورة قتل مهذب الشخصية المحورية لزوجته، و الطبيب يموت بشكل إيحائي عبر إعلان فشله و تبقى بقية الشخصيات في حالة إرتدادات و إرهاصات متلاشية. إنها صورة سوداوية ساهمت في إبرازها مختلف السمات الإبداعية من سينوغرافيا و نص درامي و رؤية إخراجية و أداء ممثلين. الإنسان المحور المتروك للهامش و مخابر التجريب هو الحامل لجميع هزائم النخب و الإستراتيجيات و التكتيك، هو الصدر المشبع بآفات الحيف و القهر و الإستعباد، هو المنهك في السير اليومي و الواقع المشوه، هو جماع إنكسارات ليست منه في الأصل و لكن وحده يدفع الضريبة النفسية و العاطفية و المادية و الإجتماعية. من واقع اللحظة الراهنة في إطار معين و جغرافيا محدودة يتجاوز عرض “رايونو سيتي” صورة الألم الذاتي العفوي إلى مشاعية الوجع بما هو واقع ثابت و راسخ في مجتمعات العالم الثالث، من أحياء مدن المكسيك و كوبا و أفغانستان و الشيلي و مصر و كل أنحاء العالم تنطلق فكرة رايونو سيتي و تعود، و تبقى في إنتظار غد قد يأتي و قد لا يأتي.
18155658_677114342492679_1843532545_n 18109722_677114505825996_483997194_n 18142844_677114975825949_590676807_n 18136913_677114942492619_486000776_n 18136826_677114939159286_1398751121_n 18136788_677114322492681_1563400851_n 18110391_677114459159334_1058859187_n

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*