رعد في ندوة عن الأحوال المعيشية للأسر: محصلة عمل حكومة استعادة الثقة استنساخ ممجوج لسياسات عقيمة

عقد المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، برعاية النائب محمد رعد، ندوة في قصر الاونيسكو أعلن خلالها عن الدراسة بعنوان “نتائج الاحوال المعيشية للاسر المقيمة في لبنان المؤشرات العامة والمناطقية”، وهي خلاصة دراسة إحصائية تضمنت نتائج مسح الاوضاع المعيشية للاسر المقيمة في لبنان لعامي 2014 – 2015.
حضر الندوة، الى رعد، النائب الوليد سكرية، النائبان السابقان اسماعيل سكرية ومحمد برجاوي، الوزير السابق طلال الساحلي، وجمع من الاكاديميين والاختصاصيين بشؤون الاقتصاد والتنمية السياسية وعدد من رؤساء مراكز الابحاث ومديري جامعات وممثلين عن هيئات ديبلوماسية.

بداية النشيد الوطني، فكلمة تقديم للاعلامي محمد الخليل عرض فيها لانشطة المركز في رسم السياسات العامة.

ثم تحدث رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق عبد الحليم فضل الله، وقال: “ان المركز يقدم الى اللبنانيين عموما والباحثين والعاملين في الشان العام خصوصا، النتائج العامة والقطاعية لدراسة الاوضاع المعيشية للاسر المقيمة في لبنان، والتي نفذها بين عامي 2014 و2015 وشملت اكثر من ستة الاف اسرة في المناطق اللبنانية كافة، وهذا العمل هو ثمرة جهود دؤوبة لباحثي المركز وفرق عمله، بهدف الحصول على تقديرات حديثة ومنقحة لمؤشرات الفقر النقدي والحرمان البشري وعدم الانصاف وغيرها من المتغيرات المرتبطة بمعيشة المجتمع اللبناني واحواله”، لافتا الى ان “آخر الاعمال الاحصائية المعلنة والموثوق بها في هذا الشان مضى عليها عقد من الزمن او اكثر، من هنا عملنا على تقديم مقاربة حديثة ودقيقة للاوضاع الاجتماعية من زوايا متعددة: تعليمية وصحية وخدماتية واسكانية واقتصادية”.

وأكد أن “هذه الدراسة تنفرد بتركيزها على مناطق الاطراف والاقضية الاكثر حرمانا في لبنان، فتبرز على نحو لا يدع مكانا للشك، الفوارق التي ما زالت واسعة بين بقايا الريف اللبناني من جهة، والمنطقة المركزية التي تضم العاصمة بيروت واجزاء من الاقضية الملاصقة لها من جهة ثانية، مع ظهور مؤشرات واضحة على ترييف المدن، واتساع الفوارق الطبقية داخلها. وتؤكد هذه الدراسة حقائق ومؤشرات أظهرتها دراسات سابقة، مثل ارتفاع معدلات البطالة، ووجود هوة واسعة بين متوسطات الدخل والرواتب في القطاعات والانشطة الاقتصادية المختلفة، فيتصدر القطاع المالي قائمة المداخيل، فيما تحتل الزراعة ذيل الترتيب، لكنها في المقابل تقدر معدلات الفقرين النقدي والبشري بأعلى مما قدرته الدراسات الاخرى، بفارق يصل الى خمس نقاط مئوية بالنسبة الى الفقر المطلق (33,6% مقابل 28,5%)، وسبع نقاط للفقر الادنى (15,2% مقابل 8%) وسبع نقاط ايضا في دليل الاسر ذات الاشباع المتدني”.

وأضاف: “لقد بينت الدراسة ايضا ان توزيع مداخيل العاملين بأجر هو أقل تفاوتا من توزيع المداخيل الاخرى (يبلغ مؤشر الرواتب 0,32 مقابل 0,43 لمؤشر مجموع المداخيل)، لكن متوسط دخل العاملين بأجر منخفض على نحو ملموس مقارنة بالمتوسط العام. ويسجل القطاع الخاص عموما متوسط دخل أقل من مثيله في القطاع العام، حتى قبل اقرار سلسلة الرتب والرواتب، وهذا يدل على ضعف انتاجية القطاع الاول، وارتباط اجور القطاع الثاني بعوامل ادارية وسياسية أكثر من ارتباطه بالاداء والفعالية. وتكشف المقارنة بين المنطقة المركزية ومناطق الاطراف، ان التقلص النسبي للفجوات التنموية بين المناطق ترافق مع زيادة الهوة بين مداخيلها، فيساوي متوسط الدخل في العاصمة ضعف مثيله في الاقضية الطرفية، وهذا دليل آخر على ضعف المفاعيل التنموية للانفاق الحكومي، بما في ذلك إنفاقها الاستثماري”.

وتابع: “تاتي هذه الدراسة فيما تتصدر القضايا الاقتصادية والاجتماعية من جديد لائحة التحديات الداخلية، بل تزاحم بأهميتها أحيانا المخاطر السياسية والجيوسياسية المحيطة بلبنان والمؤثرة عليه، وهذا ليس جديدا. فقد حفل ربع القرن الماضي الذي يفصلنا عن نهاية الحرب الاهلية، بإخفاقات متراكمة ومتصاعدة تأسست على فشل مقاربات اعادة الاعمار واستراتيجيات النهوض وما رافقها أو تبعها من برامج وسياسات، وها هي حروب الاقليم وازماته تثقل كاهلنا بأعباء اضافية كان لها انعكاسات معيشية صعبة وتكاليف مالية باهظة”، مشيرا الى “انعكاس ذلك على الاداء العام للاقتصاد المالية العامة، فتعثر القطاع العام على نحو غير مسبوق، وتباطأت التوظيفات الى ادنى من الحد اللازم لتعويض ما يصيبها من تقادم، وتراجع الانفاق الاستثماري العام من حوالي نصف مجموع واردات الخزينة في نهاية التسعينات الى اقل من 8% منها في السنوات الاخيرة، اي الى اقل من ربع خدمة الدين العام، وبقي ما يصنف انفاقا اجتماعيا يشكل نسبة معتدا بها من أرقام الموازنة، لكن بجدوى متناقصة وفاعلية ضعيفة وهدر ظاهر ومحاصصة مكشوفة. ومن نتائج ذلك اتساع الفجوات بين الطبقات الاجتماعية، واكتساب الفقر طابعا مدنيا وريفيا في آن معا، وانتشار الوظائف ذات الانتاجية المنخفضة على حساب فرص العمل المجزية”.

ورأى أن “المؤشرات والمتغيرات الاجتماعية لا تخلو من مفارقات وتناقضات بارزة، اذ يزداد عدد المنتسبين الى التعليم العالي وتتراجع فاعلية الانفاق فيه وتتضخم الاعتمادات المخصصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم في الموازنات العامة، ويتعاظم معها ما تقتطعه الاسر من مداخيلها لتلبية حاجاتها من الخدمات نفسها. وننفق مبالغ طائلة على برامج استهداف الفقر واعانة المؤسسات والجمعيات التي لا تبتغي الربح، وتزداد معدلات الواقعين تحت خطي الفقر المطلق والمدقع، وننجح في مراكمة نمو لا بأس به في بعض السنوات ويزداد توزيع الدخل سوءا، بل نحتل المرتبة الرابعة الاخيرة عالميا في سلم عدالة توزيع الثروات. نجتذب اموالا غزيزة من الخارج، ونفشل في تكوين رأس مال انتاجي. ان مشكلتنا هي بالاساس سياسية وادارية اكثر منها مشكلة امكانات، وافتقار الى المنظور والرؤية اكثر منها نقص في القدرات”.

وأوضح أن “لبنان استقبل خلال عقد ونصف عقد ما يقارب مئة مليار دولار اميركي من التدفقات الخارجية، وامتلأت خزائن مصارفنا بالاموال. وحدها السيولة الفائضة تضاهي في قيمتها حاليا الدخل الوطني او تكاد، ومع ذلك لا نجد اليوم ما يكفي لتمويل الحد الأدنى من حاجاتنا الاستثمارية المادية والبشرية والاجتماعية، إلا باللجوء الى مزيد من الاستدانة. أهدرنا ثروات طائلة في الانفاق الجاري غير المجدي، ومثلها على صفقات مشوبة بالفساد والمحسوبية وضعف الاحساس بالصالح العام، ومع ذلك ترتفع معدلات البطالة الى مستويات تنذر بالخطر، ولا سيما لدى الفئات الشبابية المؤهلة، وتفشل في كثير من الاحيان في تأمين الاموال الكافية لتغطية عجز الحساب الجاري الهائل والمزمن. نستدين بسهولة ويسر ونجد صعوبة بالغة في وضع حد للتهرب الضريبي الذي يقارب سنويا حجم الخدمة الدين العام نفسه. وعلى العموم، كان النمو في لبنان عاملا في زيادة حدة التباين الطبقي والمناطقي”.

رعد
وألقى رعد كلمة قال فيها: “من اللافت أن يطل هذا المركز البحثي ليدعونا في لحظة اشتباك معقد في المنطقة، وفي لحظة انشغال داخلي شبه كلي بالاستحقاق الانتخابي المقبل في لبنان، الى ورشة علمية لتقييم خلاصة مسح للاحوال المعيشية للاسر على امتداد المحافظات في البلاد. إن دل هذا على شيء فإنما على إيمان المركز بديمومة هذا الوطن رغم كل التحديات والصعاب، وعلى عزم على تطوير الدولة ومهماتها، وعلى ثقة وأمل بأهمية الشراكة بين مختلف قطاعات المجتمع لبناء الاستقرار الاجتماعي الذي لا ينفك عن الاستقرار السيادي الوطني السياسي في الداخل”.

وأضاف: “ان هذه الدراسة الاحصائية التي بين أيديكم اليوم، تقدم اشمل واحدث الارقام والمعطيات حول الاوضاع المعيشية للاسر المقيمة في لبنان، انطلاقا من عينه ليست بسيطة شملت أكثر من ستة آلاف أسرة موزعة بين مختلف المحافظات اللبنانية، توقفت الدراسة عند خصائصها الديموغرافية وخلصت بنهاية المسح الى تقرير نتائج علمية ونسب احصائية مئوية، وشملت الوضع الاجتماعي للافراد، الوضع التعليمي والوضع الصحي للمقيمين، المسكن وخدمات المسكن والاجهزة والسلع المعمرة ووسائل النقل والوضع الاقتصادي للمقيمين والوضع الاقتصادي ومؤشرات المعيشة وخصائص ارباب الاسر، مسجلة تحت كل عنوان من هذه العناوين جملة مؤشرات مهمة وفوارق نسبية بين المحافظات من جهة والعاصمة والمناطق القريبة منها من جهة أخرى”.

وأشار الى أن “قاعدة بيانات متعددة عن الاوضاع المعيشية للاسر في لبنان يمكن استخلاصها وفق هذه الدراسة الاحصائية الشاملة، ولا شك في أنها ستكون موضع عناية واعتماد العديد من السياسات الاجتماعية الرصينة، اذا ما أراد المسؤولون في الدولة العمل بمقتضاها، خصوصا أن السياسات الاجتماعية المعاصرة بات مطلوبا منها، بإلحاح، النهوض برؤية اصلاحية جديد تغادر الدعم الانتقائي الى الرعاية الاجتماعية الشاملة”.

وتابع: “في منتصف آذار 2012 لحظ مؤتمر رعاه المركز الاستشاري نفسه ان خطوات الاصلاح الاجتماعي في لبنان يجب ان تبدأ بالقضايا التي تتقاطع عندها المسارات الاجتماعية والاقتصادية والمالية، مثل اصلاح النظام الضريبي، وتوسيع قاعدة القروض الانتاجية المدعومة، وزيادة حصة الاجور من الناتج وتطوير شبكات الامان وزيادة نطاقها. من شأن هذه القضايا دعم الفئات المهددة وتعزيز النمو ودعم المالية العامة في الوقت نفسه، وإذا كان لا بد من مراعاة اوضاع الخزينة العامة وحاجات النمو عند رسم سياساتنا الاجتماعية والاقتصادية، فإن على خيارات النمو وبرامج التصحيح المالي ألا تلحق ضررا بالاوضاع المعيشية للمواطنين”.

وأشار الى أن “تخفيف التباين الاجتماعي مثلا لا يتعارض مع النمو، بل هو عامل من عوامل تحقيقه، وزيادة عدد المشمولين بالحماية المنظمة لا يفرط بالاستقرار المالي، بل يساعد على تقليل الهدر واصلاح النظام الضريبي ليصير أكثر انصافا للمستهلكين والمستثمرين والمنتجين، لا يعيق الانتاجية بل يحسنها. ان فاعلية البرامج الاجتماعية لا تقاس بحجمها أو بنسب موازناتها من الناتج أو من النفقات العامة، بل بقدرتها على تحقيق الاهداف الاساسية، وأي خطوة تنقلنا من منطق العطاء الريعي الى منطق التكافل والرعاية تساعد على مكافحة الفساد والزبائنية السياسية، وتزيد فاعلية الانفاق العام في تحقيق الاهداف المرسومة له”.

واعتبر أن “الدراسة الاحصائية محور نقاش هذه الورشة تسهم اسهاما اصلاحيا مهما اذا ما توافرت الارادة السياسية لوضع سياسات اجتماعية اصلاحية فعالة، وهنا تكمن أهميتها. ونأمل من الحكومة وهي تناقش اليوم بنود الموازنة العامة للعام 2018 ان تنحو هذا النحو حتى لا تأتي الموازنة نسخة مكررة من الموازنات السابقة، فنطيح مجددا الاوضاع المعيشية تحت ذريعة الحاجة الى اغراء المستثمرين او تحت ضغط خدمة الدين العام عبر ارهاق المواطنين من ذوي الدخل المحدود بذريعة الحاجة الى تقليص عجز الموازنة”.

ورأى أنه “قد يكون للازمة في سوريا خلال الاعوام الفائتة تأثيرها السلبي بحسب ما يراه البعض، الا ان السياسات الناجحة هي التي تسلك المسار الانمائي الصحيح وتحتوي ولو نسبة مستطاعة من تداعيات الازمات الوافدة، بدل استخدامها تبريرا للمضي في السياسات الخاطئة.
فالازمة في سوريا اليوم دخلت مرحلة النهاية، فيما التحديات الاسرائيلية لا تزال قائمة ومتواصلة، فهل ستجد الحكومات المقبلة مبررات جديدة لاستمرار قطاع الكهرباء على ما هو من حال ترد واستنزاف، فيما الحلول العملية متاحة دوما رغم وجود ازمات ومع عدم وجودها؟”.

وختم: “لقد آن الاوان لانتهاج سياسات واقعية منصفة تعيد الى المواطن فعلا ثقته بالدولة. لقد مضت سنتان تقريبا على حكومة استعادة الثقة، والمحصلة مراوحة واستنساخ ممجوج لسياسات زبائنية عقيمة، انسل ربما في غفلة من اصحابها قانون انتخاب جديد سيعيد خلط بعض الاوراق دون توهم. وسنرى ماذا ستسمي الحكومة الجديدة نفسها، وأي سياسات ستعتمد”.

Libanaujourdui

مجانى
عرض