فضل الله: لدينا فرصة للتعبير عما نريده وعلينا ألا نضيعها

ألقى العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، في حضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين.

وقال:”عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصت به الزهراء ذلك الرجل عندما جاء إليها قائلا:”يا ابنة رسول الله، هل ترك رسول الله شيئا عندك تطرفينيه؟”، فقالت:”يا جارية، هاتي تلك الحزيرة”، فطلبتها، فلم تجدها، فقالت فاطمة:”ويحك، اطلبيها، فإنها تعدل عندي حسنا وحسينا”، فطلبتها، فإذا هي قد قمتها في قمامتها ففتحتها للرجل، وكان فيها: “ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليسكت. إن الله يحب الخير الحليم المتعفف، ويبغض الفاحش الضنين”.

واضاف:”لقد أظهرت الزهراء أهمية ما ورد في هذا الحديث وعظمته، عندما قالت إنه يعدل عندها حسنا وحسينا، مع ما لهما من الشأن والموقع عندها. وهذا الحديث حدد الصفات التي تميز المؤمن من غيره، فالمؤمن هو من يأمن جاره منه ولا يؤذيه، هو لا ينطق إلا خيرا، هو من يتصف بالحياء، وعدم التسرع في ردود الفعل عند الغضب، وبعفة النفس، وعدم بيعها مقابل شهوة أو مال أو موقع، وببذل الخير للناس جميعا”.

وتابع:”اننا أحوج ما نكون إلى استحضار هذه المعاني، لنصحح صورة المؤمن فينا، ولنبني من خلالها المجتمع المؤمن الذي نريده. وبذلك نصبح أكثر وعيا ومسؤولية وقدرة على مواجهة التحديات”.

وقال:”البداية من لبنان، الذي أقفلت فيه أبواب الترشيحات على عدد كبير من المرشحين والمرشحات، بالمقارنة مع الانتخابات السابقة، حتى قارب عددهم الألف، وفي ذلك إيجابية ساهم القانون الانتخابي الجديد في توفيرها، فهو أعطى أملا للكثيرين ممن كانوا يرون في أنفسهم الأهلية، أو لديهم الطموح في الوصول إلى الندوة البرلمانية، ولكنهم كانوا لا يرون لهم موقعا في ظل القانون القديم الذي اصطلح على تسميته بقانون المحادل”.

واضاف:”نحن أمام هذا الكم من المرشحين، نعيد دعوة اللبنانيين إلى أن يدرسوا خياراتهم جيدا، وألا ينتظروا أن يملي عليهم أحد قرارهم، وألا يقعوا فريسة الإثارات والعصبيات التي هي السلاح الأمضى في كل استحقاق انتخابي، فلديهم الوقت الكافي ليدققوا ويتحققوا من ماضي المرشحين وحاضرهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية التي تنتظرهم”.

واشار الى “ان على اللبنانيين أن يعتبروا أن الورقة التي يضعونها في صناديق الاقتراع مسؤولية، وهي لا تخصهم وحدهم، بل تتعلق بمصير الوطن ومستقبله، وعليهم أن يكونوا الأمناء عليه، حتى لا يمسك قراره الفاسد أو المفسد أو من يجعل من وطنه بقرة حلوبا لمصلحته أو لمصالح الآخرين”.

وقال:”لا يعتقدن أحد، كما يفكر الكثيرون، أن صوته لا يؤثر ولا يغير، أو فالج ولا تعالج. فهو إن لم يؤثر حاليا أو يغير، فسيؤثر في المستقبل. إننا معنيون بأن نبعث رسالة إيجابية إلى الذين أحسنوا العمل من التيارات السياسية خلال تواجدهم في الندوة البرلمانية، ورسالة سلبية إلى الذين لم يكن لهم حضور، وفرطوا في أمانة تمثيل مواطنيهم، ولم يرتفع لهم صوت في المجلس. إن علينا ألا نكتفي في هذا البلد المليء بالمشاكل والتحديات بأن نضرب كفا بكف، أو نعلن سخطنا على المسؤولين وننتقدهم، أو ننتظر الفرج ليأتينا من الخارج، فالأمر دائما بأيدينا، ولدينا فرصة للتعبير عما نريده، وعلينا ألا نضيعها”.

وتابع:”من واجبنا، أن نفرض على الذين يتقدمون إلى مواقع المسؤولية من المرشحين، أن يقنعونا بأشخاصهم وبرامجهم، أن يملكوا رؤية صحيحة عن واقع البلد وسبل الحل. ونحن عندما نتحدث عن مشاكل البلد، فإننا نريد بذلك أن نتوازن بين تحديات الداخل والخارج. إننا نسمع في هذه الأيام عن برامج ومشاريع، ولكنها في أغلبها، حتى لا نظلم الجميع، أشبه بالأحلام. وهي برامج فضفاضة وعامة يمكن أن تطرح في أي زمن ووقت. إننا نريد برامج واضحة ومحددة لمعالجة الأزمات”.

واضاف:”من موقع آخر، عاش اللبنانيون طوال الأسبوع الماضي سجالات نراها أساءت إلى موقعين أساسيين في هذا البلد، هما القضاء والأجهزة الأمنية، إثر اتهام أحد اللبنانيين بالعمالة، حتى بدا القضاء في هذه القضية مرتبكا، وبدت تقارير الأجهزة الأمنية متضاربة، مما أدخلهما في دائرة الشك والاتهام”.

وقال:”نحن في هذا المجال، لن نتوقف عند مصداقية أي من تقارير الأجهزة الأمنية، أو أي من القرارات القضائية، ونترك ذلك للأيام اللاحقة لتكشف الحقائق. ولكن ما يهمنا هو التأكيد على ضرورة الحفاظ على صدقية الأجهزة الأمنية ونزاهة القضاء، وإبعادهما عن الشبهات والدسائس والتداخلات السياسية وغير السياسية. فإن ما جرى أدخل الخوف والرعب في نفوس المواطنين، وسيجعل كل مواطن يخشى أن يحصل له ما حصل في هذه القضية.ولذلك، ندعو إلى متابعة هذه القضية، وكشف غموضها للناس، ودراسة السبل الآيلة إلى منع تكرارها، حتى تستعيد القوى الأمنية والقضاء صدقيتهما، حفاظا على ما تبقى من هيبة الدولة والمؤسسات الحساسة”.

وتابع:”نبقى في الداخل اللبناني، لندعو، رأفة بالشباب اللبناني، إلى الإسراع في إيجاد حل لموضوع القروض السكنية السابقة والمستجدة بعد قرار المصرف المركزي تجميد هذه القروض، والتي إن لم تعالج، فستترك آثارها وتداعياتها على أمن المجتمع اللبناني واستقراره، وكلنا يعرف أن هذا هو السبيل الوحيد لشراء بيت سكن لدى الشباب والكثير من اللبنانيين”.

واضاف:”أخيرا، نطل على عدة مناسبات في هذا الأسبوع، المناسبة الأولى هي عيد المعلم، التي نتوجه فيها بالتبريك والتهاني إلى مربي الأجيال وباني عقولهم، شاكرين لهم بذلهم وعطاءهم وجهودهم، ونحن نعرف حجم الجهد الذي يبذلونه، ونقول لكم: من حقكم أن تنصفوا، وأن يبادل إحسانكم بإحسان، ولكن إن لم ينصفكم مجتمعكم ودولتكم، فسينصفكم الله بعطائه والأجيال التي ربيتموها. والمناسبة الأخرى هي يوم المرأة العالمي الذي نعيد فيه التأكيد على أهمية الدور الذي تقوم به المرأة الأم، والمرأة الزوجة، والمرأة الإنسان في الحياة”.

ولفت الى “ان المرأة قد أثبتت أنها قادرة على خوض كل الميادين التي يحتاجها المجتمع في نهوضه، ومن مسؤولية المجتمع الحريص على طاقاته، ألا يكون عقبة أمام تفعيل هذا الدور، كما على المرأة ألا تسمح لأحد بأن يصادر دورها ويضيع طاقاتها في غير موقعها الصحيح”.

وقال:”المناسبة الأخرى الأليمة، هي ذكرى مجزرة بئر العبد التي تعيدنا بالذاكرة إلى تلك المجزرة الرهيبة التي أرادت استهداف سماحة السيد، لولا رعاية الله له، والتي أصابت الناس الآمنين والنساء العائدات آنذاك من صلاة الجمعة. وكانت تهدف إلى تغييب باعث روح المقاومة وأب المقاومين وكهفهم الحصين، وإسكات الصوت الرسالي والوحدوي، والخطاب العقلاني الواعي، والمواقف الحرة والجريئة التي لم يتحملوها وأخافتهم بتداعياتها وآثارها. إننا في هذا اليوم، نتوجه بالرحمة إلى كل الذين ارتقوا بأرواحهم إلى بارئهم، وإلى روح سماحة السيد، مؤكدين أن هذه الكلمة الحرة والواعية التي أنتجت مقاومة وانفتاحا، ستبقى وستستمر رغم كل التضحيات والتحديات”.

Libanaujourdui

مجانى
عرض