عشرون عاماً غيرت حياة “عمر”..

عشرون عاماً غيرت حياة “عمر”..

أسامة العويد- libanaujourdhui.com

تحت سقف القصب المغطى بالنايلون في أحد أسواق الخضار كان يقف “عمر” الشاب العشريني،مجعد الشعر مرقع البنطال،”يكحف” حذاءً غير لونه عوامل السنين التي مرّت ..

حدث ذلك مع هجوم شتاء عام ١٩٩٥ في ضواحي طرابلس، ضحكات التجار الآن تتراقص و”عمر” ليس له مكان،مزارع بسيط قرر بيع محصوله في هذا المكان الذي تجمع فيه التجار ولا مكان فيه لصغار الكسبة.. وعمر منهم…يحدقّ ويسيل لعابه على فنجانِ قهوة لن يضحي بشرائه خوفاً من العودة مشياً على الأقدام…

*إصرار*
بينما يتجادل التجار يقاطع بطل قصتنا”عمر” بمداخلة حول طريقة التسويق، بنظرة سخرية ينظر “الريس” له قائلاً:” وكيف للصغار أن تتكلم .. إذهب وصرْ رجلاً كبيراً ثم تحدث بيننا …”إنتهى المشهد الأول….

*تفكر*
يفتح عمر باب منزله ليلاً منهك الجسد والفكر يتمدد على فراشه ويتأمل سقف منزله المليئ بالثقوب ويتحدث لوالده الضعيف،” يا أبي سنأكل التراب بعد اليوم ومن الغد سنبدأ بإستصلاحٍ أرضنا المهجورة” يقاطع الأب وهل نملك المال ، عمر :” سنأكل التراب يا أبي وسأصير أكبر تجار المدينة..سأصير رجلاً وأعلم الرجال” … تدمع عيني أبا عمر.. “أحسنت يا أبي”.
في اليوم التالي ذهب “عمر” الى صديقه “أحمد” وأخبره عما يجري في خاطره، ” لن نكون بعد اليوم تحت رحمة التجار، نعمل ونجد ثم نبيعهم منتوجنا بثمن بخس ، ينعمون ونبقى مديونين فإلى متى؟؟”.

يتفق الصديقان على أن يعيشا في أرض غير مؤهلة لمدة ثلاثة أشهر، إنقطعوا عن كل شيئ، و وصلوا ليلاً بنهار، خلعوا صخوراً وحرثوا ارضاً بأيديهم، كانت بضع دجاجات وحدها من تسامر صباح الشابين و”عمر” لم ينس بعد مشهد “الأريكة”…
يقول عمر :”كنت كلما قررت اليأس تذكرت صراخ ذلك التاجر :” إذهب وصر رجلاً..رجلاً كبيراً “وكأنها قنابل عنقودية تدوي في مخيلة الشاب…
مرّ الشهر الأول وبات جسد عمر نحيلاً من أكل بيض الدجاج اليسير وكسرات الخبز و حشائش لم تزهر بعد، تحسس الجسدُ ونفرت الحبوب في الشهر الثاني ليبدأ موسم “الخيار” يزهر…نام معه في البيت البلاستيكي …أشهر عدة غيرت حياة “عمر” وباع المحصول وبدأت رحلة التغيير…

عشرُ سنين من التعب وبات “عمر” من أبرز المزارعين يأخذه محصوله المميز إلى العاصمة، حتى بلغ صيته ذاك التاجر في إحدى جلساته”حدثوه كيف بدا سيداً ويطلق عليه المعلم عمر”.

و يتصل التاجر بعمر “كيف حالك ولما لا تطل علينا وترمي بخضارك في سوقنا..” يرد عمر :” ندرس الموضوع .. أغلق الهاتف”.

الموعد الفصل

عشر سنوات أخرى تمرّ ليصبحوا عشرون على مأساة “عمر”وجاء موعد رد الصفعة التي تلقاها من ذاك التاجر الذي دار به الزمان وأصبح ” عتالاً في نفس السوق،وفي نفس المتجر بعدما أفلس وتعرض لإنتكاسات عدة”.

عصراً وفي نفس هدير الشتاء الغابر ، توقفت سيارة “عمر” الفارهة ونزل وسط ترحيب أهل السوق وتجاره له، كلّ يريد من “عمر” أن يشرب فنجان من القهوة في مكتبه..قرر عمر أن يدخل ذاك المكان الذي آلمه يوما ما…

دخل وأجلسوه على كرسي المكتب،أحضروا له فنجان قهوة ثم إلتفت على قارعة الباب فلمح التاجر ذاك .. إقترب يا معلم …إقترب ثم تسمر الزمان وأعيدت اللحظة تلك..

سأل “عمر”: ألست التاجر فلان..أجاب نعم، تابع ولم أنت على هذه الحال، ردّ هي الدنيا تتقاذفنا يا بني ..

عمر :” لم أنس كلامك لي وطردك لي منذ عشرين سنة، واليوم أقول لك ها قد صرت رجلاً مثل الرجال بفضل الله وجدي وعملي وأنت الآن هكذا بقبح أعمالك ولن أقول لك شيئ”.

دمعت عينا التاجر ذي الشيب فبكى”عمر” وخرج من المكان يلملم خطاه ويقول :” رب لا تزرع بقلبي تكبراً يزيل نعمك التي أعطيت لعمر…”…

إنتهت القصة

القصة واقعية والأشخاص واقعيين والأحداث جرت في نفس التواريخ بين منطقتي طرابلس وعكار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*