نوبيون في مصر يحيون لغتهم الأم ويحنّون لأرض الأجداد

نشأت فاطمة عدّار في عائلة نوبية على حكايات تاريخ النوبة القديم والغني على ضفاف النيل، لكنها لم تكن تتكلم اللغة النوبية التي تقلص استخدامها إلى حد بعيد.

وتعيش فاطمة (23 عاما) في محافظة أسوان (أقصى جنوبي مصر)، وكان تعليمها المدرسي معظمه باللغة العربية، واقتصر احتكاكها بلغتها الأم على المناسبات التي جمعت وجهاء العائلة.

وبعد مرور أكثر من نصف قرن على تهجير النوبيين المصريين من قراهم بجنوبي مصر عقب بناء السد العالي؛ لا يناضل النوبيون فقط من أجل المطالبة بعودتهم إلى قراهم التي هجروا منها، بل يكافحون أيضا للحفاظ على لغتهم الأم التي استخدمت في حرب أكتوبر، وتراثهم الشعبي، وثقافتهم الموروثة، خاصة بين الأجيال الجديدة، ويعانون من تجاهل مطالبهم الثقافية والسياسية على حد سواء.

ويناضل النوبيون كذلك منذ عقود لحل قضية “ازدواج اللغة”؛ فبينما يتحدثون في أماكن التعليم والعمل بالعامية المصرية، فإنهم يتواصلون في بيوتهم بلغتهم الأم النوبية.

وتناقل النوبيون لغتهم شفاهة، ونقشت على جدران المعابد في مدينة مروي النوبية القديمة، ودونت بها نصوص مسيحية قديمة، قبل أن تختفي الأبجدية تدريجيا، في حين أعيد اكتشافها بواسطة الأكاديمي مخمار خليل كبارة، الذي دوّن في كتابه “اللغة النوبية كيف نكتبها” قواعد للغة النوبية، ووضع أحرفا أبجدية لتدوينها.

وينحدر النوبيون من عشائر كانت تقطن منطقة ممتدة على ضفتي نهر النيل في أقصى جنوب مصر وشمال السودان.

ولم تعد اللغة النوبية متداولة كثيرا بين “أبناء جيل عدّار”، وفق ما تقول فاطمة. ومضت عشرات السنين منذ مغادرة أجدادها أراضيهم بعد بناء السد العالي في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في فترة الستينيات.

وهدف بناء السد العالي إلى تنظيم فيضانات نهر النيل السنوية، وتوفير الكهرباء للبلاد، لكن بعد اكتمال بنائه غمرت بحيرة ناصر مناطق إقامة عشرات آلاف النوبيين الذين اضطروا للنزوح.

ومنذ ذلك الحين، يشكو النوبيون من التمييز والتهميش الثقافي، ولا يحلمون سوى بالعودة إلى أراضيهم وإحياء تقاليدهم ولغتهم الأصلية.

مجتمع نوبي يتحدث العربية
وترجع جذور النوبيين إلى حضارة أفريقية قديمة وصلت تدريجيا إلى حكم مصر قبل نحو ثلاثة آلاف عام.

وعاش النوبيون باستمرار وسط مساحات خضراء، وفي منازل فسيحة بُنيت من الطوب الطيني واعتلتها القباب، ولهم عاداتهم المميزة المرتبطة بالنيل، وكانوا يتحدثون لغتهم الخاصة.

وبعد نزوحهم أعيد توطينهم في بعض المناطق الصحراوية القاحلة البعيدة عن النيل، مما أرغم كثيرين على التخلي عن الزراعة والبحث عن عمل في مدن أخرى، سواء داخل مصر أو خارجها.اعلان

وبدأت التقاليد المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحياة على ضفاف نهر النيل تتلاشى، وأصبحت الأجيال الشابة أقل معرفة بلغتهم الأم، التي لم تدرس في المدارس المحلية.

ولا توجد إحصاءات رسمية بأعداد النوبيين في مصر اليوم، إلا أن مجموعات حقوقية تقدّر عددهم بنحو ثلاثة أو أربعة ملايين، من أصل مئة مليون نسمة في مصر.

كذلك ليس واضحا عدد الذين يتحدثون اللغة النوبية، وهي لغة لا يفهمها المصريون غير النوبيين.

وتقول فاطمة عدّار “تواجدنا في مجتمع يتحدث اللغة العربية جعل الحاجة إلى التحدث بالنوبية يتضاءل”.

تهميش ثقافي
ووفقا لدراسات أكاديمية، كُتبت اللغة النوبية في العصور القديمة باستخدام أبجديات مختلفة، مثل القبطية واليونانية والمروية.

وتدريجيا، أهملت اللغة المكتوبة وظلّت اللغة تُنقل لقرون شفهيًّا من جيل إلى آخر.اعلان

وبين النوبيين في مصر كانت ثمة لهجتان لنطق النوبية: “كنزي” و”فاديجي”، ولم يكن متحدثو اللهجتين يفهمون بعضهم البعض بالضرورة.

خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 استخدمت اللغة النوبية شفرة عسكرية بعدما وافق الرئيس المصري الراحل أنور السادات على الفكرة التي طرحها جندي نوبي.

في العقود الأخيرة، حاول النوبيون إحياء الشكل المكتوب للغة، وبلغت الجهود ذروتها في اشتقاق أبجدية مكونة من 24 حرفًا تشبه الأبجدية اليونانية، على ما يقول الباحث في الدراسات النوبية حسين كبارة.

ويقول كبارة (63 عاما) “إنه لأمر مخجل ألا يتم تدريس مثل هذه اللغة العريقة في المدارس أو الجامعات.. هذا تهميش ثقافي واضح ينتقص من الهوية النوبية”.

“كوما وايدي”
وبدأ أكاديميون وبعض المتحدثين الطلقاء باللغة النوبية تدريس اللغة للنوبيين الذين يعيشون في مدن مثل القاهرة والإسكندرية، في حين لجأ آخرون إلى طرق حديثة لتعزيز اللغة، مثل استخدام مقاطع الفيديو عبر الإنترنت وتطبيقات الهاتف المحمول الذكية.

وأطلقت الناشطة حفصة أمبركاب مبادرة “كوما وايدي”، وهي جملة نوبية تعني “حكايات من الماضي”، لتوثيق القصص التي يرويها كبار السن من النوبيين.

وبمساعدة عدّار، جمعت أمبركاب منذ العام الماضي قاموسًا يضم نحو 230 كلمة باللهجة الكنزية، وكُتبا باستخدام الأبجدية العربية لتسهيل النطق للقراء، ونسخ ذلك إلى الإنجليزية والإسبانية.

وتقول أمبركاب “نستمد المصطلحات أثناء تصويرنا مع كبار السن من النوبيين وهم يروون حكايات قراهم القديمة وعاداتهم وتقاليدهم”.اعلان

ويُظهر أحد مقاطع الفيديو امرأة مسنة تمارس طقوسًا قديمة في تعميد طفل في مياه النيل بعد سبعة أيام من ولادته، وتدعو الله لحراسة خطى الطفل، وتمسح وجهه بمياه النيل، وترش الحلوى في النهر.

أجساد بلا أرواح
في عام 2017، أطلق مطوّر البرامج الإلكترونية مؤمن طلوش تطبيقًا لتعلّم اللغة النوبية على الهاتف المحمول باسم “نوبي”.

ويقول طلوش “أنا نفسي لا أتحدث النوبية بطلاقة، لكن أصولي نوبية، وأرغب في الحفاظ على اللغة”.

ويشتمل التطبيق على الأبجدية المكونة من 24 حرفًا، وعلى أمثال وأغنيات نوبية شهيرة باللهجتين، ومترجمة إلى العربية، ويجذب التطبيق نحو ثلاثة آلاف مستخدم.

وهذه الأغاني يتم ترديدها في حفلات الزفاف، بالإضافة إلى تلك التي تعكس شوق النوبيين للعودة إلى أراضيهم.

وتقول كلمات إحدى الأغاني “يا ولدي، عندما ترحل إلى البلد القديم.. عندما تصل إليه تذكرني (…) لا تنس سلامي له”.

ويحلم النوبيون بالعودة إلى أراضي أجدادهم. وقبل ثلاثة أعوام، خرج عدد منهم في مسيرة بالدفوف لعرض مطالبهم، لكن السلطات فضت المظاهرة، وأوقفت 24 شخصًا على الأقل.

وازدهرت الموسيقى النوبية خلال نزوح النوبيين وتهجيرهم، إذ حملوا معهم أغانيهم الحزينة التي تعبر عن فقدانهم وطنهم وحنينهم لقراهم التي غمرتها المياه، ويعرف النوبيون كذلك بمهاراتهم اللغوية العالية، ويلعبون دورا ملحوظا في قطاع السياحة المصري.

تاريخ من التهجير
عاش النوبيون تجربة التهجير عدة مرات، بدأت مع بناء خزان أسوان 1902، إذ غرقت إثره عشر قرى نوبية خلف السد، وبعد عشر سنوات عندما جرت تعلية الخزان غرقت ثماني قرى أخرى، وعندما تم تعلية السد مرة ثانية عام 1933 غرقت نحو عشر قرى إضافية وهاجر سكانها لمناطق أخرى، في حين غرق بعض النوبيين في ماء النيل ونهشت التماسيح جثامينهم.

لكن أكبر موجة لتهجير أهالي النوبة جاءت مع بناء السد العالي (جنوبي مصر) عام 1963، إذ تم ترحيل عشرات الآلاف من الأهالي إلى هضبة كوم أمبو، ليعيشوا على امتداد خمسين كيلومترا فقط، بعد أن كانوا على امتداد ستمئة كيلومتر، وقسمت الدولة وقتئذ النوبيين إلى فئة المقيمين بالنوبة القديمة وأعطتهم بيوتا بالقرية الجديدة، وفئة المغتربين الذين لم تبن لهم مساكن أو تصرف لهم تعويضات كافية.

وظلت مآسي الغرق والتهجير محفورة في أذهان النوبيين، وتوارثوها جيلا بعد جيل، ولم يسلم من نجا من الغرق؛ إذ استمرت المعاناة بعد التهجير، واضطر بعضهم لصعود الجبال أو الرحيل إلى القاهرة والإسكندرية ومدن قناة السويس أو السودان، ليبدؤوا حياة جديدة كأنهم لم يعيشوا بجوار النيل قرونا.

وفي موسوعة “شخصية مصر”، يقول مؤلفها الدكتور جمال حمدان “كان النوبي أول إنسان زرع ورعى الماشية منذ أقدم الحضارات، ساعده في ذلك ترسب التربة الطينية الصالحة للزراعة على جوانب النيل مع قدوم الفيضان”.اعلان

المصدر : الجزيرة,الفرنسية

Libanaujourdui

مجانى
عرض