عراقيل كثيرة تقف أمام الهيدروجين ليكون طاقة عالمية بديلة

يساند كثيرون الفكرة القائلة إن الهيدروجين يمكن أن ينقذ العالم من شراك أزمة الطاقة والمعضلة المناخية، لكن تطبيق هذا الحل ليس سهلا، نظرا لأن تخزين هذه المادة مكلف. وهو ما يطرح التساؤل التالي: هل الهيدروجين يمكن أن يحقق ثورة في مجال الطاقة أو أن ذلك مجرد وهم؟

في هذا التقرير الذي نشرته مجلة “ماريان” (Marianne) الفرنسية، قال الكاتب بيير فانديجينستي إنّ فرنسا تعتزم اعتماد الهيدروجين لتوليد الطاقة، حيث خصصت الحكومة برنامجًا دقيقا بميزانية مهمة لتشجيع البحث والصناعة في هذا المجال على مدى 10 سنوات.

أين يكمن التعقيد؟

يكمن التعقيد في كيفية الحصول على الهيدروجين، إذ من المعروف أنه العنصر الكيميائي الأكثر شيوعا في الكون، فذراته تدخل ضمن تركيبة الماء والوقود الأحفوري على غرار الفحم والنفط والغاز الطبيعي.

ويقع استخراج الهيدروجين إما من جزيئات تحتوي على الهيدروجين والكربون مثل الميثان، الذي يعتبر المكون الرئيسي للغاز الطبيعي. أو من الماء بفصل الهيدروجين عن الأكسجين بمساعدة الكهرباء فيما يعرف بالتحليل الكهربائي.

ولا تتأتى هذه الكهرباء في الغالب من مصادر طاقة نظيفة، وإنما من مصادر طاقة منخفضة الكربون: مثل السدود، والطاقة الحرارية الأرضية، وتوربينات الرياح، والطاقة الشمسية، والطاقات البحرية والطاقة النووية. لكن الهدف هو إنتاج هيدروجين “أخضر” دون إنتاج غازات ضارة وملوثة.

وأوضح الكاتب أن توليد الطاقة بالهيدروجين يكون من خلال تفاعل الهيدروجين مع الأكسجين، وذلك يحدث إما بالطريقة التقليدية أثناء عملية الاحتراق التي تنتج حرارة يمكن تحويلها إلى طاقة، أو بالطريقة الحديثة عبر “خلية الوقود” التي تنتج القليل من الحرارة مقابل كمية أكبر من الكهرباء.

التخزين

تشوب الطاقة الكهربائية التي يولدها الهيدروجين نقطة ضعف بارزة، وهي طريقة تخزينها. ويعتبر التخزين عبر البطاريات، أكثر الطرق المعتمدة.

لكن ذلك يطرح العديد من المشاكل على غرار “كثافة الطاقة” المنخفضة خاصة من حيث الوزن، إذ يتطلب استبدال خزان سيارة بسعة بضع عشرات من اللترات من البنزين بطارية تزن مئات الكيلوغرامات. وصنع هذه البطاريات يحتاج كميات كبيرة من المعادن.

أما الهيدروجين في حد ذاته فهو يتمتع بكثافة طاقة عالية من حيث الوزن، حيث إنه يمكن استبدال 3 كيلوغرامات من البنزين بكيلوغرام واحد من الهيدروجين. ويمكن للسيارة باستخدام كيلو غرام واحد من الهيدروجين أن تسير مسافة 100 كيلومتر.

لكن الأمور تتعقد عندما نحلل كثافة الطاقة من حيث الحجم، فالهيدروجين يعد أخف غاز على الإطلاق، حيث يزن لتر واحد منه في الضغط العادي ودرجة الحرارة العادية 90 مليغراما فقط، ولا يحتل كيلوغرام منه سوى 11 مترا مكعبا.

ويمكننا تخزين الهيدروجين لأننا نعرف كيف نغير كثافته بطرق مختلفة من خلال استعمال الضغط، ولكن عملية تخزين الهيدروجين بدورها تستهلك الكثير من الطاقة. وتعد عملية إسالة الهيدروجين أكثر تعقيدا، لأنها تتطلب استهلاك المزيد من الطاقة ودرجة حرارة منخفضة (-253 درجة مئوية). ويحتاج تخزين الهيدروجين في درجة حرارة وضغط عاديين مواد صلبة أو سائلة معينة.

ومن أوجه قصور بعض المصادر الجديدة للطاقة المتجددة أنها متقطعة، ونحن نحتاج إلى تخزين الطاقة التي تولدها عند وجود رياح أو شمس أو تيار أو أمواج لاستخدامها في وقت لاحق عند الحاجة. وهذا الأمر يتطلب موارد تخزين ضخمة.

لذلك، يعد الهيدروجين الحل الأنسب ذلك أن الخزانات الكبرى الخاصة به تعد بديلا جيدا للبطاريات الضخمة التي تسبب الكثير من المشاكل.

سلبيات إنتاج الهيدروجين

تستهلك فرنسا 900 ألف طن من الهيدروجين سنويا، 95% منها يقع استخراجه من الغاز الطبيعي. وحسب فيليب بوكلي، رئيس جمعية “فرانس هيدروجين” (France Hydrogene) فـ”إن استخراج كيلوغرام واحد من الهيدروجين من الغاز الطبيعي، ينتج عنه 9 أو 10 كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون”.

ويوضح كزافييه فيغور، رئيس تقنيات الهيدروجين في مجموعة “إير ليكيد Air Liquide”، أن “هناك 3 طرق لإنتاج الهيدروجين عن طريق التحليل الكهربائي للماء، اثنان منها يحتاجان درجة حرارة منخفضة وهي التحليل الكهربائي القلوي والتحليل الكهربائي عن طريق غشاء تبادل البروتون، في حين أن الثالثة تحتاج درجة حرارة عالية (بين 700 و800 درجة مئوية)”.

ويضيف فيغور أن “أقدم عملية -والتي تظل الأرخص- هي التحليل الكهربائي القلوي. ولا تزال أكبر وحدات إنتاج الهيدروجين تعتمد هذا المبدأ الكيميائي العملي الذي يحتاج تيارا مستمرا بين قطبين مغموسين في الماء. وتحت تأثير الكهرباء، يتحلل الماء إلى هيدروجين وأكسجين”.

وحسب فيغور، “يظل العيب الرئيسي لهذه الطريقة في استخدام معادن باهظة الثمن مثل البلاتين والإريديوم، لذلك تهدف الأبحاث حاليا إلى تقليل كميتها أثناء عملية الإنتاج”، مؤكدا أنه “يجري في الوقت الحالي بناء أكبر مصنع لإنتاج الهيدروجين بالتحليل الكهربائي في العالم في كيبيك”.

هيدروجين أكثر نظافة

هناك العديد من الطرق لإنتاج هيدروجين أكثر نظافة. ويرى فيليب بوكلي -المدير العام للشركة التي تدير الشبكة الفرنسية لنقل الغاز الطبيعي- أن “الهيدروجين الأخضر سيكون موضع ترحيب ليحل محل الهيدروجين الملوث الذي طالما استخدم في بعض القطاعات الصناعية”.

ومنذ وقت ليس ببعيد، تضمن مقال حول طاقة الهيدروجين معلومة تنفي وجود مناجم هيدروجين طبيعية. ولكن هل هذه المعلومة صحيحة؟

تقول الباحثة في جامعة “بو وباييه دو لادور”  (Universite de Pau et des Pays de I’Adour)، إيزابيل موريتي “في قرية بوراكايبوغو الصغيرة التي تبعد حوالي 60 كيلومترا عن باماكو، عُثر أثناء -الحفر بحثا عن الماء وعلى عمق 100 متر- على هيدروجين نقي بنسبة 96%، الذي يزود القرية بالكهرباء في الوقت الراهن”.

وتضيف “من غير المستبعد أن تحتوي التربة التحتية على الهيدروجين الأصلي”. وتتابع موريتي أن “غمر الماء للصخور التي تحتوي على المعادن، بما في ذلك الحديد والمغنيسيوم، يؤدي إلى تأكسدها وبالتالي إطلاق الهيدروجين”.

وأفادت موريتي بأنه “تم تحديد بعض المواقع التي تحدث فيها ظاهرة مماثلة في مناطق مثل كانساس وأستراليا والبرازيل. لكن المواقع الأكثر إثارة للاهتمام موجودة في البحر، والتنقيب هناك شديد التكلفة. ومع ذلك، ينبغي في البداية دراسة هذه الظواهر وتحديد الحالات الجيولوجية المناسبة”.

المصدر : الصحافة الفرنسية

Libanaujourdui

مجانى
عرض