منظمة التجارة العالمية.. غريق ينتظر قشة بايدن

عندما تأسست منظمة التجارة العالمية عام 1995 لوضع قواعد للتجارة الدولية ولتكون الحكم بين الدول في النزاعات، كانت قوية ذات شعبية، وعلى عكس معظم الهيئات الدولية لديها آلية لفض المنازعات استخدمت على نطاق واسع.

وفي تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” (New York Times) الأميركية قالت الكاتبة فرح ستوكمان إن قرارات منظمة التجارة العالمية كانت حاسمة، وإذا قرر قضاة منظمة التجارة العالمية أن بلدا ما لا يلتزم بالقواعد، يمكنهم أن يأذنوا بفرض رسوم جمركية انتقامية حتى يتمكن الضحايا من تعويض خسائرهم.

وحتى الولايات المتحدة التي تعد قوة عظمى أطاعت بوجه عام أحكام جهاز الاستئناف التابع لمنظمة التجارة العالمية المكون من 7 أعضاء، وإذا كان لدولة من الدول الأعضاء قانون يتعارض مع معاهدة منظمة التجارة العالمية، فينبغي إلغاؤه.

شلل منظمة التجارة

أشارت الكاتبة إلى أن منظمة التجارة العالمية الآن منهكة بالكامل وفقدت هيبتها، ويخوض أكبر اقتصادين، الصين والولايات المتحدة، حربا تجارية ويصدران رسوما متبادلة تنتهك قواعدها، ولم يعد أحد يخشى غضب جهاز الاستئناف بعد الآن، لأن هذه السلطة قد توقفت عن العمل، حيث لم يُعيّن قضاة جدد ليحلوا محل القضاة القدامى الذين انتهت مدة خدمتهم.

ويُعتقد أن وضع منظمة التجارة العالمية وصل إلى هذا السوء بسبب قرارات دونالد ترامب، لكن هذا الرأي ليس صحيحا بالكامل، فرغم حقيقة أن ترامب تسبب في شلل منظمة التجارة العالمية عندما رفض تعيين قضاة جدد حتى لا يضطر إلى الالتزام بالقرارات التي لا تعجبه، فإن منظمة التجارة العالمية كانت في حالة تقهقر قبل مدة طويلة من تعرضها لإساءة ترامب.

وحتى إذا كان الرئيس المنتخب جو بايدن عازما على المساعدة في إصلاح منظمة التجارة العالمية، فإنه لا يمكنه التراجع عما فعله ترامب، ويتطلب التعافي الحقيقي البحث داخل المنظومة عن موطن الخلل الرئيس.

فعندما أُنشئت منظمة التجارة العالمية في التسعينيات كان الإيمان بالأسواق الحرة عند مستوى قياسي، وكان الاتحاد السوفياتي قد انهار حديثا وتبنّت الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم آنذاك، إيمانا خالصا بقدرة الرأسمالية غير المقيدة على تحسين الحياة في جميع أنحاء العالم.

ودفع الأميركيون أكثر من 100 دولة للانضمام إلى جهود إنشاء هيئة دولية قوية لإزالة الحواجز أمام التجارة الدولية وحماية المستثمرين، ووافقت الدول الأضعف على الاتفاق لأنه يعني من الناحية النظرية أنها لن تكون بعد ذلك تحت رحمة الأقوياء.

تزعزع المنظمة

وسرعان ما أصبحت قوة منظمة التجارة العالمية تمثل مشكلة كبيرة، فقد أُلغيت القوانين والبرامج المحلية التي أعاقت “التجارة الحرة”، كما أمرت منظمة التجارة العالمية البلدان بوضع برامج تشجع الطاقة المتجددة والقوانين التي تحمي العمال من المنافسة الأجنبية غير العادلة، كما لو كانت التجارة الدولية أكثر أهمية من تغير المناخ وحقوق العمال.

ولم تكن منظمة التجارة العالمية قوية فحسب، بل كانت طموحة أيضا، على عكس الهيكل التجاري السابق المعروف باسم الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة التي تعاملت بشكل أساسي مع التعريفات، وكانت تهدف منظمة التجارة العالمية إلى معالجة مجموعة كاملة من القضايا التي لا علاقة لها بالتجارة التقليدية، ويرجع ذلك جزئيا إلى الشركات التي ضغطت على حكوماتها خلف الأبواب الموصدة لإعادة كتابة قواعد التجارة لمصلحتها.

ودفعت البنوك الاستثمارية لإلغاء الضوابط المالية في جميع أنحاء العالم، في حين سعت شركات الأدوية لتوسيع نطاق براءات اختراعها، مما أدى إلى تعقيد الجهود في البلدان النامية للوصول إلى الأدوية الجنيسة بأسعار معقولة.

وأشارت الكاتبة إلى أن قدرة منظمة التجارة العالمية على اتخاذ القرارات بات مشكوكا فيها أكثر بعد أن غضّت الهيئة الطرف عن سلوك الصين السيئ، وحكم قضاتها ضد الإعانات الحكومية الموجهة لصناعة الألواح الشمسية المنتجة محليا في الولايات المتحدة والهند، على أساس أنها غير عادلة للمنتجين الأجانب، في حين لم تكن المجموعة الكبيرة من الإعانات التي تقدمها الصين لدعم صناعاتها تمثل مشكلة على الإطلاق.

وبدت منظمة التجارة العالمية متأخرة وغير جديرة، والآن بما أن الاقتصاد العالمي في حالة يرثى لها بسبب الوباء وأزمة تغير المناخ، فإن منظمة التجارة العالمية في حالة يأس، في انتظار معرفة ما إذا كان جو بايدن سينقذها.

حلول للأزمة

هناك بعض الحلول السريعة التي ينبغي أن تدعمها إدارة بايدن، مثل تعيين مدير عام جديد، ويبدو أن الجميع -باستثناء ترامب- يحبون نغوزي أوكونجو إيويالا من نيجيريا، التي قد تصبح أول امرأة وأول أفريقية تشغل هذا المنصب، لكنه لا ينبغي لبايدن أن يتسرع في ملء الشواغر في جهاز الاستئناف.

ويتمتع العالم بفرصة تاريخية لتغيير اتجاه قواعد التجارة الدولية وخلق مساحة أكبر للبلدان لتجربة حلول لتغير المناخ وعدم المساواة في الدخل، ويمكن للبلدان في جميع أنحاء العالم استخدام تمويلات التحفيز الاقتصادي للقيام باستثمارات إستراتيجية في الطاقة الخضراء مع الإعانات، وهذا ما تدور حوله خطة بايدن “إعادة البناء على نحو أفضل”، لكن الخطة تخاطر بمخالفة قواعد منظمة التجارة العالمية في العديد من الجوانب.

ولهذا السبب ينبغي أن تستغل الإدارة المقبلة هذه اللحظة لمحاولة التوصل إلى اتفاق بشأن بعض القضايا العميقة التي تسببت في الوضع الحالي.

ومن بين الأسباب التي تجعل العالم يتجنب تلك المحادثات الصعبة مدة طويلة هو أن التقاضي أسهل من التفاوض، والآن بعد أن أُلغي هذا الخيار ربما تتمكن الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية من صياغة اتفاقية لتلبية متطلبات هذه اللحظة.

وهناك إشارات تبعث على الأمل في أن بايدن ينوي فعل ذلك بالضبط، ولطالما جادل جاريد بيرنستاين، أحد مستشاريه الاقتصاديين المخضرمين، أن قواعد التجارة العالمية ينبغي تعديلها لتلبية احتياجات الناس العاديين، وليس فقط الشركات.

المصدر : نيويورك تايمز

Libanaujourdui

مجانى
عرض